القاضي عبد الجبار الهمذاني
127
تثبيت دلائل النبوة
وأيضا ، فلو كنا انما نعترف بذلك خوف الفضيحة في بطلان ديننا فقد كان ينبغي ان نكون بذلك عالمين وان لم نعترف ، كما يعلم اللص انه سرق وان لم يعترف خوف الفضيحة / . وأيضا فإن كان الناس قد علموا أنّا قد علمنا فجحدنا وكابرنا فقد تعجلنا الفضيحة وعلم الناس جميعا ببهتنا ومكابرتنا فما سلمنا من الفضيحة المعجّلة ، وهذا لا يذهب فساده على عاقل نظر وتدبر . فان قالوا : فأنتم بذلك عالمون وان لم تعترفوا ، قيل لهم : إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا كذبكم على ضمائرنا ، وكفى بذلك علما لنا بكذبكم علينا وبهتكم لنا ، فانا لا نعلم ذلك بل لا نعتقده ، فضلا ان نعلمه . بل نعتقد ونعلم بطلان ذلك ، كما نعلم أن للعالم صانعا وانه واحد وان محمدا صلّى اللّه عليه وسلم رسوله إلى خلقه . وأيضا ، فان الجماعات الكبيرة لا تجوز ان تكتم ما قد رأته وسمعته وان ضرها ذلك وان ساءها ، كما لم تجوز ان تفتعل ما لم يكن فتقول : قد كان ورأينا وسمعنا وان كان ما رأت ولا سمعت وان سرها ذلك ونفعها ، وهذا في الكتمان أقوى واظهر وأبين ، لأن الكتمان اثقل ، والصبر عليه أشد ، والحفظ له أصعب ، والناس إلى القول اسرع ، وهم عليه أخف ، ولهم فيه فرح واسترواح ، وعلتهم في الكتمان كالكرب والألم ، فيستروحون بإذاعته وينفرجون بالقائه ، حتى أنهم ليتحدثون بما فيه زوال نعمهم وسفك دمائهم ، وحتى لقد ادعينا « 1 » ان ينكتم ما بين السلطان ووزيره وأمثال ذلك ممن يجوز عليهم الكتمان ، فان الكتمان قد يجوز على الواحد والاثنين والنفر
--> ( 1 ) كلمة مطموسة بالمداد ، والقراءة اجتهادية